(Minghui.org) عبر التاريخ، كانت منطقة الهيمالايا دائمًا مكانًا يعيش فيه الكثير من الممارسين، ويعيش فيه الناس حياةً بسيطةً ومتواضعةً، وكان كل الناس يُحسنون الغناء والرقص، وكانوا يُقدّسون فا البوذا [الفوفا] منذ تقريبًا ألف عامٍ، وُلِد في تلك المنطقة ممارس يُدعى ميلاريبا. وفي الوقت الذي تطلّب فيه الأمر من الغالبيّة العُظمى من البوذا أو البودهيساتفا حيَواتٍ عديدةً واجتياز مِحنٍ وصعوباتٍ جمّة في تعهّدهم إلى حين بلوغ ثمرة الكمال المنشودة، وصل ميلاريبا إلى فضيلة عُظمى مُضاهية في ظرف حياة واحدة، وأصبح يُعرَفُ لاحقًا بمؤسّس الطائفة البيضاء في البوذية التيبتيّة.

في أحد الأيام أعطى ميلاريبا درسًا عن دهارما المركبة الكبرى [ماهايانا] في كهف حجريّ في نيانام- في التيبت. كان الحُضور يتكوّن من التلاميذ ريتشونغبا و وغامبوبا ومن تلميذات، ومن مُحسنين ومُحسنات، ومن يوغي. كان هناك أيضًا العديد من الداكيني، ما يعني حرفيّا "مُسافرات سماويّات"، بلغْنَ تحقيق نور قوس قزح. (في السانسكريتية، هذه المخلوقات تسمّى داكيني، وفي الكتابات التيبتيّة تسمّى مخا-غرو-ما).

في الليلة التي سبقت ذلك، كان ريتشونغبا قد رأى منامًا زار فيه على الأغلب الأرض النقيّة للداكيني. كانت المدينة فيها بناياتٌ زجاجيّة مُزيّنة بالأحجار الكريمة. داخل المدينة، كان الناس يرتدون ثيابًا سماويّة جميلة ويلبسون قلائد من اليَشَم، ورغم أن الجميع ابتسموا لريتشونغبا وحيّوْهُ بإيماءةٍ من الرأس، لم يُكلّمهُ أيّ أحدٍ منهم.

كانت هناك سيّدة تلبس ثوبًا أحمر استقبلته بحفاوةٍ قائلة: «يا رفيقي والتلميذ الشابّ لمعلّمي، متى وصلت إلى هنا؟ مرحبًا! أهلاً وسهلاً بك!» فرفع ريتشونغبا عينيه ورأى أنها رفيقة الدرس بهاريما، التي كانت قد انضمّت معه إلى حلقة التلاميذ الذين يدرُسون الدهارما على يد المعلّم الكبير تيفوبا في النيبال.

قالت بهاريما: «لقد أتيتَ في الوقت المناسب، البوذا أكشوبهيا (أحد البوذا الدهياني) هُو بصدد إعطاء دروس حاليّا. إن كنت مهتمّا، يُمكن أن أطلب لك الإذن لتلتحق بهم.»

فأجاب ريتشونغبا بحماس: «أنا أنتظر منذ سنين وبفارغ الصبر أن أرى البوذا أكشوبهيا. إنها لفُرصة ثمينة أن أنضمّ لحلقة درسه. أرجوك اطلُبي لي الإذن بذلك.»

دعت بهاريما ريتشونغبا إلى مأدُبة شهيّة قبل أن يذهبا إلى الدرس. كان مكان الدرس قصرًا بديعًا، وكان البوذا أكشوبهيا جالسًا على عرشٍ في الوسط. كان مظهره جليلاً للغاية، فوق ما يُمكن للخيال البشريّ أن يتصوّره. وكان هناك عددٌ لا يُحصى من الكائنات السماويّة الإلهيّة قد تجمّعت هنالك لتُنصِت إليه. لقد كانت أعدادها غفيرة لدرجة أنها كانت مثل مُحيطٍ لا ساحل له. كان هذا التجمّع أكبر حلقة درس رآها ريتشونغبا في حياته. عندما رأى ذلك، أحسّ بسعادة وحماس لا يُوصفان؛ وطلب من زميلته أن تطلب له الإذن. وبعد بُرهة، رأى ريتشونغبا البوذا أكشوبهيا يبتسمُ له، ففهم أنه قد سُمِح له بالانضمام؛ وسجد تعبيرًا عن التقديس [خرّ راكعًا على قدميه ووجهه يلمس الأرض]، ثمّ جلس ليستمع للدرس.

في ذلك اليوم، تحدّث البوذا أكشوبهيا عن سِيَر حياة البوذا والبودهيساتفا السابقين، كان ذلك مُؤثّرًا جدّا. ثمّ تحدّث عن قصص حياة تيلوبا، ناروبا، وماربا [معلّمو سلسلة البوذية التيبتيّة أو بوذية الهيمالايا]. لم يسمع ريتشونغبا من قبلُ أبدًا توصيفًا بكل تلك التفاصيل الدقيقة التي تجعلُ منه نابضًا بالحياة.

وعندما كان الاجتماع يُشرف على الانتهاء، قال البوذا أكشوبهيا: «ضمن كل هذه السّير الذاتية، أكثر واحدة فريدة وأكثر واحدة مُدهشة وأكثر واحدة مُؤثّرة هي سيرة ميلاريبا. تعالَوْا غدًا وسأواصل الدرس.»

فيما بعد، سمع ريتشونغبا الكثير من الناس يتحدّثون عن هذه المسألة فيما بينهم. كان أحدهم يقول: «من الصعب تصوّرُ أنّ هناك قصصُ حياةٍ مُميّزة ومُدهشة أكثر من هذه.»

وأضاف آخر: «القصص التي سمعناها اليوم عن البوذا والبودهيساتفا هي نتيجة تعهّدهم على مرّ حيَواتٍ عديدةٍ وعبر مِحنٍ كثيرةٍ، ولكنّ ميلاريبا حقّق فضيلة تُضاهي تلك الدرجة من العظمة أثناء حياةٍ واحدةٍ. هذا ما يجعلُه مُتفرّدًا حقّا!»

وأضاف شخصٌ آخر: «إن تُرِكت قصّةٌ كهذه طيّ النسيان، ألن تكون تلك خسارةً عظيمةً؟ إن لم نطلبْ من المُبجّل الكبير أن يقدّم درسًا في هذا الخصوص من أجل صالح الكائنات، أفلن نكون تلاميذ ضالّين؟ يجب أن نُصلّي بصدقٍ وأن نطلب من البوذا إلقاء محاضرة عن هذه القصّة.»

فسأل الشخص الأوّل: «أين هو المُبجّل ميلاريبا حاليّا؟»

«المُبجّل ميلاريبا؟ أليس في أبهيراتي (الأرض النقيّة للبوذا أكشوبهيا)؟ ربّما هو يُوجد في بلد الضياء دائم الهدوء.»

عندما سمع هذه الكلمات، فكّر ريتشونغبا في نفسه: «من البديهيّ أن المعلّم يوجد في التيبت، لماذا قالوا إنه في بلد الضياء دائم الهدوء؟ ... ولكن مهما يكن الأمر يبدو أن هذه الكلمات موجّهةٌ لي أنا. ينبغي عليّ أن أطلب من المعلّم أن يتحدّث عن سيرته الذاتيّة.» وبينما كانت هذه الأفكار تجولُ بخاطره، كانت بهاريما تمسك بيديه بحماسٍ وتهُزّهما برفق: «لقد فهمتَ، أليس كذلك؟» لقد توضّح المعنى فعلاً بالنسبة لريتشونغبا، وكان ذلك الإحساس قويًّا إلى درجة أنه استيقظ من نومه مذعورًا.

كان الفجر قد انبلج. وأحسّ ريتشونغبا بشعور من النشوة يُخالجه، وفكّر في نفسه: «رغم أنّ الإنصات إلى محاضرات البوذا أكشوبهيا هو فرصة ثمينة، إلاّ أنّ مرافقة معلّمي هو امتيازٌ أثمنُ وأكبرُ. أظنّ أن المعلّم قد منحني القوّة ليسمح لي بالاستماع إلى محاضرةٍ من محاضرات البوذا أكشوبهيا. الناس هنالك قالوا أنّ المعلم يوجد في أبهيراتي أو في بلد الضياء دائم الهدوء، بينما نحن نعتقد أن المعلم موجودٌ في التيبت؛ في الحقيقة جسم المعلم وكلماته وروحه هي ليست مختلفة عن أجسام وكلمات وأرواح البوذا الآخرين، وفضيلتُه العظيمة هي أيضًا لا يُمكن تصوّرُها. كنتُ في العادة أفكّر أنّ المعلم موجودٌ فقط في التيبت، وأنه يُشبهُنا – بما أنه يعيش حياةً عاديّةً، لم أكن أظنّ أنّ المعلم قد حقّق البوذية مع كلّ الفاشن (أجسام الفا) التي لديه، وتجلّياتُه في كلّ الكون هي أكثرُ روعةً وجمالاً. إنّ الكارما الهائلة التي لدينا هي التي تجعلُنا نعتبرُ الحكيم يُشبه الإنسان العاديّ. إنها بدون شكّ إهانة للحكيم. إنّ الحُلم الذي حلُمتُه البارحة لم يكُن عاديّا، لقد كان إشارةً من رفيقتي في الدرس ومن داكيني أخريات بوُجوب طلب محاضرةٍ من المعلّم... يجب أن أترجّى المعلّم أن يفعل ذلك.» وبينما كانت هذه الخواطر تجُول بذهن ريتشونغبا، كان إيمانه ثابتًا لا يُزعزعُه شيء. وضمّ كفّيْ يديه معًا ليُحيّي معلّمه بكل صدقٍ وإجلالٍ.

في تلك اللحظة أضاء كلّ ما حواليه فجأةً، وظهرت أمامه داكيني عديدة بارعة الحُسن تلبسُ أثوابًا جميلة واقتربت منه. قالت إحداهما: «ستكون هناك غدًا محاضرة في السيرة الذاتيّة لميلاريبا، فلنذهبْ ونستمعْ.»

وقالت أخرى: «من الذي سيتقدّمُ بالطلب من أجل إلقاء المحاضرة؟»

فابتسمت إحدى الداكيني لريتشونغبا وقالت: «طبعًا من سيفعلُ ذلك هو التلميذ الرئيسيّ للمعلّم.»

ونظرت عديد الداكيني الأخريات إلى ريتشونغبا وهنّ يبتسمْنَ؛ وقالت إحداهما: «تقديمُ طلبٍ للمعلّم بأن يتحدّث عن سيرة حياته سيُفيدنا ويُفيد الآخرين. نحن لا فقط ننتظر الإنصات إلى هذه السيرة الذاتيّة بفارغ الصبر، وإنما أيضًا سنضُمّ رجاءنا وصلواتِنا إلى البقيّة لكي يُسبِغ علينا المعلّم عطفه ويقبل بأن يُلقي علينا درسًا في هذا المجال. لاحقًا، سوف نُحافظ أيضًا على هذه التعاليم لكي تستفيد منها الأجيال القادمة.» ثمّ اختفت الداكيني عن الأنظار في لمح البصر.

عندما أفاق ريتشونغبا من جديدٍ، كان الوقت نهارًا. «من الواضح أنّ الداكيني هي بصدد تشجيعي على أن أطلُب من المعلّم إلقاء الدرس.» وذهب والفرحة تغمُرُه إلى المُبجّل ميلاريبا ليُكلّمه بخصوص المحاضرة. وبعد أن خرّ راكعًا للتحيّة، طوى قدميه أمام المُبجّل وتوسّل إليه وهو يضمّ كفّيْه أمام صدره: «معلّمي العزيز، عددٌ لا يُحصى من البوذا في الماضي كانت لديهم تجلّياتٌ مختلفة ومتنوّعة وقاموا بتحقيق أشياء لا تُصَدّقُ من مختلف الأصناف ليُخلّصوا الناس. وتمّ تناقُل سِيَرهم الذاتية الثمينة في هذا العالم لإنقاذ الناس وإعلاء الفوفا. معلّمون مثل تيلوبا، ناروبا، وماربا كتبوا أيضًا سِيَر حياتهم والتي تمّ تبليغُها للناس في هذا العالم لكي يقوموا بالتعهّد. والآن يا معلّمي نحن نأمَلُ أن تشمَلنا بعطفك وتقصّ علينا سيرة حياتك، ليستفيد من ذلك التلاميذ والكائنات في المستقبل.»

استمع المُبجّل ميلاريبا إلى هذا الكلام وقال بهدوءٍ: «أنت تعلم الكثير من الأشياء عنّي يا ريتشونغبا، ولكن بما أنّك تطلبُ منّي هذا الأمر، سوف أجيبك.

«أنا أنحدرُ من قبيلةٍ من كيونغبو، وجدّي الأكبر يُدعى تشوسي. كان لديّ في السابق تصرّفات سيّئة ثمّ تصرّفتُ بشكل جيّد. والآن أنا توقّفتُ عن فعل أشياء جيّدة أو سيّئة، كلّ الأشياء التي يتمّ القيام بها بقصدٍ ونيّةٍ تنتمي الآن إلى الماضي بالنسبة لي، ولن أفعل مثل هذه الأشياء مستقبلاً. إن شرحتُ هذه الأمور بالتفصيل، فالكثير منها يمكن أن يجعل الناس يبكُون بُكاءً مُرّا والكثير منها يُمكن أن يمنحهم السرور والفرح. هذه السيرة طويلة جدّا، وبإمكاننا الاستغناء عنها. اترُكْ رجلاً مُسنًّا مثلي ينعَمُ بشيء من الراحة.»

فخرّ ريتشونغبا راكعًا وواصل التوسّل إلى معلّمه: «معلّمي!»

«هل يُمكن أن تُفسّر لنا كيف تمكّنتَ من التعهّد بحزمٍ، وكيف بحثتَ عن الفوفا، وكيف ارتقيْتَ بذاتك إلى حدّ بلوغ الكمال التامّ واليقظة؟ لقد كنتَ سليل كيونغبو وجدّك الأكبر كان تشوسي، إذن لماذا أصبح اسمُك ميلا؟ لماذا قمتَ في البداية بأعمال سيّئة ثمّ بأعمال حسنة؟؟ ارْوِ لنا أيضًا هذه الحكايات المُؤثّرة أو المُبهِجة، هذا الطلب لا يأتي من قِبَلي فقط بل أيضًا من قِبَل التلاميذ الآخرين وأيضًا من قِبَل المُحسِنين. جميعُهم يتُوقون إلى الاستماع لهذا الأمر. أرجوك يا معلّمي اغمُرْنا بعطفك وكرمك.»

فقال المُبجّل ببطءٍ وهو يبتسم: «بما أنك تترجّاني بهذا الشكل، سأحكي لك؛ أنا ليس عندي أسرار. كان أجدادي رُحّلاً من قبيلة كيونغبو في المنطقة الشمالية. كان جدّ جدّ جدّي الأكبر اسمه تشوسي، وهو ابن لاما من سُلالة الطائفة الحمراء. وبصفته مُمارسًا للمانترا تُؤيّده الآلهة، فقد كان لتعويذاته قوّة كبيرة. وفي إحدى الأعوام، ذهب إلى الحجّ في التيبت. وذهب تحديدًا إلى مكان في شمال التيبت يُدعى تشونغباتشي، وهناك وجد ناسًا يُعانون من وباءٍ كانت مجموعة من الشياطين هي التي سبّبتهُ. وبما أنّ تراتيله كانت قويّة جدّا وتقضي على كثير من الشياطين، أخذ المزيدُ والمزيدُ من الناس يُؤمنون به. وطلب منه أهل تلك المنطقة عدم المُغادرة، فبقي هناك، ثمّ لاحقًا أسّس عائلة.

«وفي إحدى السنين، أتى شبحٌ لتلك المنطقة لأذيّة الناس. كانت هناك عائلة لا تُؤمن أبدًا بتشوسي؛ وقد سبّب الشبح الأذى لتلك العائلة، فكانت ماشيتُهم وحيواناتُهم تموتُ أو تهربُ، أمّا البشر فيمرضون ويروْن أشباحًا في وضح النهار. وتكرّرت هذه الأشياء كلّ يومٍ. ولم يُفلحْ أيٌّ من الأطبّاء الذين تمّ استدعاؤهم في التغلّب على الشبح. بل بالعكس، انتهى بهم الأمر جميعًا إلى التّعب والإنهاك بعد مصارعة الشبح. وفي النهاية وقفت الأسرة عاجزةً أمام الأمر.

«فقال أحد أفراد العائلة: "إذا كان شيءٌ مّا بإمكانه شفاء القروح فلا ضيْر من استعماله، حتّى ولوْ كان شحم الكلاب! حسنًا، سنُرسل في دعوته."

«وهكذا أرسلت الأسرة أحدهم ليدعو اللاما تشوسي.

«وقبل أن يصل اللاما تشوسي إلى خيمة الأسرة، رأى الشبحَ من بعيدٍ. وعندما رأى الشبح تشوسي همّ بالفرار، حينئذٍ تجلّت القدرة الخارقة للاّما تشوسي ونادى بصوت قويّ: "أيّها الشبح، أنا كيونغبو تشوسي، مُتخصّصٌ في شرب دماء الشياطين واقتلاع أوتارهم العضليّة، إن كنتَ شجاعًا بما يكفي، ابقَ مكانك ولا تهربْ!"

«وحالما أنهى كلامه أسرع نحو الشبح، فأخذ الشبح يرتعدُ خوفًا وهو يصيحُ: "مُرعِب! مُرعِب! ميلا! "ميلا!" (ومعنى الصّوْتم "ميلا" في اللغة التيبتية هو التعبير عن الخوف الذي يُحسّ به المرء عند رؤية عملاق.)

«وعندما وصل تشوسي إلى الشبح، انكمش هذا الأخير على نفسه وقال بصوتٍ مُرتعشٍ: "حضرة اللاما العزيز، أنا لم أجرُؤ على الذهاب إلى المناطق التي فيها أنتَ. بما أنّك لم تأْتِ أبدًا إلى هنا، فقد تجرّأْتُ على القدوم. أترجّاك أن تُبقي على حياتي!"

«فأمرهُ اللاما تشوسي بأن يتعهّد بعدم إيذاء الناس ثانية. ولم يكُن أمام الشبح من خِيار إلاّ بأن يُقسِم بذلك. آنذاك تركه اللاما تشوسي يذهبُ.

«ولاحقًا تملّك الشبح بجسد شخص آخر وقال: "ميلا، ميلا، هذا الشخص قويّ جدّا، في حياتي كلّها لم أشعر بذلك القدر من الخوف! إنه مُقتدِرٌ جدّا! ميلا! ميلا!"

«هذه الحادثة زادت في شُهرة اللاما تشوسي وأصبح الناس يدعونهُ باللاما ميلا كإشارة تقديرٍ. ولاحقًا أصبح ذلك هو لقب العائلة، وصار اسم اللاما ميلا معروفًا على نطاقٍ واسعٍ.

«كيونغبو تشوسي لم يُنجب سوى ابنٍ وحفيديْن. الحفيد الأوّل ميلا دوتون سانغه لم يُنجب سوى ابنٍ واحدٍ يُدعى: دورجي سانغه.

«كان دورجي سانغه موهوبًا في لعب القمار؛ وكان على الأخصّ يُحبّ لعبة رمي النّرد.

«في إحدى السنوات قدِم مُحتالٌ مُتجوّلٌ إلى تشونغباتشي. كان ماهرًا في اللّعب وكان يكْسَبُ لقمة عيشه بهذه الطريقة. بعد أن كسب الكثير من المال سمع أنّ دورجي سانغه يحبّ اللعب، فدعاهُ إلى جوْلة في النّرد.

«في اليوم الأوّل، ومن أجل أن يختبر مهارات دورجي سانغه، لم يضعْ المُحتال سوى رهانٍ صغيرٍ، وتعمّد أن يخسرَ حِيال دورجي سانغه. وفي اليوم التالي، أظهر قُدُراتِه وفاز بسهولة على دورجي سانغه. تضايق دورجي سانغه بشدّة لأنّه لم يذُقْ من قبلُ خسارةً كتلك. فقال للمُحتال: "سوف أستعيدُ مالي كلّه غدًا. هل تجرُؤ أن تُراهِنني مرّة أخرى؟"

«فأجاب المُحتال بلا مُبالاةٍ: "طبعًا!"

«وفي اليوم الثالث والرابع والخامس تتالتْ خساراتُ المُحتال، إمّا عن قصدٍ أو بفعل الحظّ السيّئ.

«آنذاك دعا المُحتال دورجي سانغه إلى معركة حاسمة قائلاً: "دورجي سانغه، لقد خسرتُ في كلّ يومٍ من الأيّام الماضية، أقترحُ عليك أن نُراهن غدًا على كلّ أملاكنا، وماشيتنا، وأراضينا، وأموالنا، نقدًا وجواهرًا، وسيكون القرويّون شُهودًا علينا، سنُمضي على عقدٍ من أجل نِزالٍ نهائيّ، ولا يُسمَحُ لأيّ واحدٍ منّا أن يتراجع، أيًّا كان المُنتصر. هل تقبلُ بذلك؟"

«فوافق دورجي سانغه بدون تردّدٍ.

«وفي اليوم المُوالي فحَص القرويّون أحجار الرّهانات وتمعّنوا فيها. كلاهُما كان مُتوتّرًا جدّا عندما رمى النّرد. وفي النهاية خسِر دورجي سانغه كلّ شيء.

«في تلك الحالة لم يعُد لديه من حلٍّ سوى أن يُغادر مسقط رأسه وقبيلته ويهِيمَ على وجهه. فاصطحبه والده دوتون سانغه ليستقرّ في قرية صغيرة تُدعى: كيانغاتسا. كان دوتون سانغه ماهرًا في التراتيل، وكان إذن قادرًا على التحكّم في الشياطين وشفاء الأمراض. وقد كسَب لقمة عيشه من هذه المهارات، وكان له دخْلٌ ماليّ مُستقرّ. أمّا دورجي سانغه، فقد تغيّر وأقلع تمامًا عن لعب القمار، وخصّص كلّ جهوده لتجارته، حيث كان يحمل الصّوف إلى الجنوب ليبيعهُ هناك شتاءً، ويُتاجر بالماشية والدوابّ مع رُحّل الشمال صيفًا. وتنقّل أيضًا مُسافرًا بين مُختلف الأماكن للقيام بصفقاتٍ تجاريّةٍ صغيرةٍ. وأتى ذلك العمل الدّؤوبُ أُكلَهُ، ونجح دورجي سانغه في تكوين ثروةٍ مرّةً أخرى.

«وبعد حينٍ تزوّج دورجي سانغه فتاةً جميلة من تلك المنطقة، ورُزِقا بابنٍ يُسمّى: ميلا شيراب غييلتسن (والد ميلاريبا).

«في تلك الفترة كان دوتون سانغه شيخًا مُسِنًّا جدّا، وسُرعان ما مرض ومات. وبعد سنوات طويلة من العمل الجادّ، راكَمَ دورجي سانغه تدريجيّا ثروةً لا بأس بها. فدفع مبلغًا لا يُستهانُ به ليشتري حقلاً أرضُه خصبةٌ ومُثلّث الشكل، سمّاه مُثلّث أورما. واشترى أيضًا منزلاً كبيرًا بمُحاذاة الحقل.

«عندما بلغ شيراب غييلتسن العشرين من عمره، تزوّج نيانغتسا كارغيين (والدة ميلاريبا). كانت نيانغتسا كارغيين تنحدرُ من عائلةٍ ميسورةٍ من تلك المنطقة؛ وكانت ذكيّة وبارعة. كانت كلّ الأسرة تعيش حياة هانئة وميسورة.

«وبعد مُرور بعض الوقت شيّدوا منزلاً ذا ثلاثة طوابق بجوار مثلّث أورما، وكان للمنزل ثمانية عوارض (جسور) وأربع دعائم. وبمُحاذاة المسكن بنوْا مخزنًا كبيرًا ومطبخًا.

«ولم يمُرّ وقت طويل حتّى وصلت أخبار ثروة دورجي سانغه في كيانغاتسا إلى مسامع أفراد عائلة دوتون سانغه الذين بقوا في بلدتهم الأصلية. فقرّر أبناء عمّ شيراب غييلتسن: يونغدرونغ غييلتسن وخيونغتسا بالدرن -وهما أخٌ وأختٌ- الارتحال إلى قرية كيانغاتسا. أحبّ شيراب غييلتسن أقاربه حقّا، وبذل ما في وُسعه لمساعدتهم، وأقرضَهم المال، وعلّمهم تجارة الأعمال. وبعد مرور فترة قصيرة، جمع أبناء العمّ ثروةً هم أيضًا.

«ومرّ الزمن. وبعد سنوات طويلة، حملت نيانغتسا كارغيين بطفل. في ذلك الحين كان شيراب غييلتسن قد اشترى بضائع كثيرة من الجنوب، وسافر إلى الشمال ليُقايضها مع الرحّل.

«لقد وُلدتُ في ٢٥ أغسطس (۱۰٥۲ بعد الميلاد). وبعثتْ أمّي في الحين شخصًا ليُوصل رسالة إلى أبي شيراب غييلتسن، وكان نصّ الرسالة كالآتي: "لقد أنجبتُ صبيّا. ارجع أرجوك وامنحْهُ اسمًا، وأَعدّ مأدُبة للقرويّين. موسم قِطاف عنب الخريف يقتربُ أيضًا. لا تتأخّر أرجوك."

«وأوصل المبعوث الرسالة دون تأخير، كما قدّم وصفًا مُفصّلاً للوليد الجديد ولحالة الأسرة، حاثّا أبي على العودة إلى البيت وإعطائي اسمًا، والاحتفال بولادتي. فرح أبي كثيرًا وقال بابتسامة: "هذا رائع! "رائع! لقد أعددتُ اسمًا للصغير. كلّ جيلٍ من أجيال عائلتنا لم يُرزقْ سوى بولدٍ واحدٍ. أنا سعيدٌ للغاية أنّنا رُزقْنا مرّة أخرى بابنٍ. سيكون اسمُه توباغا، والاسم يعني "فرحة السامع" (أو "من يسمعُه سيُسعَدُ!")

«ثمّ أتمّ والدي عمله بسرعة، وعاد إلى البيت وسمّاني توباغا. عندما كبُرتُ قليلاً كنتُ أحبّ الغناء. أيّ شخص كان يسمع صوتي كان يُحبّه على الفور. كان الناس يقولون: "توباغا – "من يسمعُه سيُسعَدُ: حقّا هذا الاسم يُناسبك تمامًا!"

«عندما بلغتُ الرابعة من عمري، أنجبت أمّي بنتًا وسمّتها بيتا. أتذكّر أنه عندما كنّا صِغارًا، أنا وأختي كنّا دائمًا نرتدي أفضل الملابس المصنوعة من الأنسجة الحريريّة، والجواهر والحُليّ تُزيّن شعرنا. الناس الذين كانوا يأتون لزيارتنا كانوا أثرياء ومُتنفّذين. وكان لدينا أيضًا خدمٌ عديدون.

«في تلك الفترة كان أهالي كيانغاتسا يتحدّثون فيما بينهم كالتالي: "هؤلاء المُتشرّدون الذين أتوْا من بعيدٍ هم الآن أغنياء إلى درجة كبيرة، لديهم دوابّ ولديهم حقلٌ في الخارج، وفي الداخل لديهم حبوبٌ أكثر ممّا يُمكن أن يأكُلوا وثيابٌ أكثر ممّا يُمكن أن يلبسوا. كم هم محظوظون!" كانوا ينظرون إلينا بإعجابٍ وكانوا يحسُدوننا. ولكن هذه الحياة السعيدة لم تدُمْ طويلاً، فالأب شيراب غييلتسن لم يلبثْ أن مات.»

فسأل ريتشونغبا: «يا معلّمي، بعد موت والدك هل تعذّبتَ كثيرًا؟ نحنُ سمعنا أنّ تجربتكَ كانت من أصعب التجارب. هل يُمكن أن تُحدّثنا عنها؟»

(يتبع)